في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي كانت مادة “المحفوظات” تشكل جزءًا أساسياً من البرامج الدراسية للأقسام الابتدائية، وقد كانت كذلك في المرحلة الإعدادية والثانوية تحت مُسمى “النصوص”. وكان لهذه المادة طابع غنائي وخصوصاً في الفصول الابتدائية الأولى حيث كانت في الغالب نصوصا في الأبحر الموسيقية كالرجز والمتقارب والرمل، يتم إلقاءها في شكل نشيد من قبل تلميذٍ حسن الصوت جرت العادة أن يستقبل التلاميذ واقفاً وقد أسند ظهره إلى السبورة وهم يرددون معه … غالبا ما يكون ذلك في آخر الحصة بحيث يأذن لهم المعلم في الخروج وقتَ الغناء، فيغادرون الفصل في تدافع وهم يغنون بلحن جماعي كان يثير في نفسي مشاعر الأشجان والأشواق، خصوصا في نهاية العام الدراسي حيث كان يُضرب للأناشيد بسهم كبير…

وكان يتم اختيار هذه النصوص عادة من كتب المعهد التربوي الوطني مثل “الشامل” والرائد في اللغة والادب” أو كتاب مغربي كان متداولا جداً يعرف ب”التلاوة العربية للمدارس المغربية والأفريقية” وغيرها من كتب مدرسية أخرى تصل آنذاك من مختلف أقطار الوطن العربي … وقد كنت أتوهم أن تلك النصوص هي مما يخص الأطفال والمدرسة وما يتعلق بهما وأنها في وادٍ وأن ما يتعاطاه الكبار من شعر وأدب في واد آخر … نعم كنت – في خيالات متصلة – أظن أن كلما يتعلق بالمدرسة هو من أمور الصغار ولا علاقة للبالغين به أبداً … أتذكر أنني أتيت المنزل يوما من سنة 1985 ومعي كتاب الشامل للسنة الأولى الابتدائية فطلب مني أحدهم أن أناوله إياه … فإذا به يقرأ في الكتاب :”فَتَحَتْ فُوزِيَةُ البَابَ بِالمِفْتاَحِ” … تعجبت كل التعجب أن يرد ذلك النص القصير المشهور عندنا في المدرسة على ألسنة البالغين !

ومع تقدم الزمن واطلاعي على بعض محاسن الشعر العربي، تلاشى ما تبقى من تلك الأوهام المدرسية حيث أدركت ببساطة أن معظم تلك النصوص هي شعري خليلي لا يختلف عما هو معروف لدى الكبار وأنه في غالبه نصوص جميلة مختارة بعناية مما أنتجه شعراء المغرب والمشرق على مر العصور … وبدأت أستمتع باستعادة تلك النصوص في الذاكرة لأراها بمنظار لم تشوش عليه أوهام وخيالات الصبا، فكأني أمام اكتشاف جديد قديم…

فمِن أول ما أتذكر من جميل الشعر المدرسي مقطع من نص جميل نادر في بابه للشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي، يصف فيه كرة القدم وصفاً جميلاً، كان ذلك قبل ظهور “بيليه” و”مارادونا” و”بلاتيني” و”مِيسِي” و”رونالدو” و”نيمار” ومن على شاكلتهم من فرسان الكرة الدائرية :

قصدوا الرياضة لاعبين وبينهمْ
كُرَةٌ تُراضُ بِلَعْبِها الأجسامُ

رَفْساً بِأرجُلِهِمْ تُساقُ وضربُها
بالكفّ عند اللاعبين حرامُ

ولقد تُحلق في الهواء وأن هوتْ
شرعوا الرؤوسَ فناطحتْها الهامُ

تنحو الشمالَ بضربةٍ فيردّها
نحْو الجنوبِ مُلاعب لطّامُ

وتدور بين اللاعبين فمُحجِمٌ
عنها وآخرُ ضاربٌ مِقدامُ

إن الجسوم إذا تكون نشيطةً
تقوى بفضل نشاطها الأحلامُ

وأتذكر أننا كنا نتفنن في التعرف على اللاعبين الظاهرين في الصورة الموضوعة فوق النص في كتاب “الشامل”، فنقول هذا “غيثي” وذاك “اصنيدري” وذلك “طهارا” وغيرهم من نجوم الملعب الأولمبي ودوري “آميكال كابرال”، دون أي دليل مهما قل يؤيد ما أوصلتنا له خيالاتنا الجامحة … إنها خيالات الصبا الواسعة التي ليس للعقل ولا للمنطق عليها سلطان … أتذكر من ذلك أن بعضنا كان يحدث البعض في أعقاب كأس العالم لعام 1986 أن اللاعب الأرجنتيني “ديغو مارادونا” واللاعب الفرنسي “ميشيل بلاتيني” سيزوران القرية قريبا بدعوة كريمة من أترابهم مواليدِ بداية الستينات من أهل القرية … وكم كانت لهفتي لحلول ذلك الموعد المزعوم لكي أرى اللاعبَين الشهيرين عن قرب وهما يُريان مهاراتهما في كرة القدم في الملعب الرملي القديم الممتد من جنوب البئر إلى شمال المستوصف عن يمينهما بمحاذاة شريط الكثبان المُطل على القرية من جهة الغرب …
ومَن من تلاميذ ذاك الجيل لا يعرف بيتاً لأمير الشعراء أحمد شوقي يشيد فيها بالعلم والتعلم ؟

قُمْ للمُعلمِ وفه التبجيلا
كاد المعلمُ أن يكونَ رسولا

وهو في الحقية مطلع لقصيدة طويلة جميلة تعرفت على بقيتها في الفصل الأول إعدادي بمدينة نواذيبو من خلال كتاب الرائد في اللغة والأدب بصحبة أستاذ اللغة العربية المُقتدر عبد الله بن أحمد مسكه … كان الأستاذ عبد الله من شدة إيغاله في التحليل وحرصه على توصيل الفِكر، يملأ السبورة كلمات ورسوماً مبعثرة حتى تصير وكأنها طلاسم أو أوفاق يستحيل فكها …

رَبّـوا عَـلى الإِنصافِ فِتيانَ الحِمى
تَـجِـدوهُمُ كَهفَ الحُقوقِ كُهولا

فَـهـوَ الَّـذي يَـبني الطِباعَ قَويمَةً
وَهْـوَ الذي يَـبني النُفوسَ عُدولا

وَيُـقـيـمُ مَنطِقَ كُلِّ أَعوَجِ مَنطِقٍ
وَيُـريـهِ رَأيـاً فـي الأُمورِ أَصيلا

وَإِذا الـمُـعَلِّمُ لَم يَكُن عَدلاً مَشى
روحُ الـعَـدالَةِ في الشَبابِ ضَئيلا

وَإِذا الـمُـعَـلِّـمُ ساءَ لَحظَ بَصيرَةٍ
جـاءَت عَـلى يَدِهِ البَصائِرُ حُولا

وَإِذا الـنِـسـاءُ نَـشَـأنَ في أُمِّيَّةً
رَضَـعَ الـرِجـالُ جَهالَةً وَخُمولا

ومن منهم لا يعرف مقطعاً من رمليةَ العلامة الحُلاحل والشاعر المطبوع محمدو بن حنبل الحسني ؟

صاح لا تلف بجهل راضيا
فذوو الجهل كأمثال الخشبْ

واصْحَب الدائب في استنباطهِ
لا جهولاً خدن لهو ولعِبْ

إنما القنيةُ علمٌ نافعٌ
لا العتاقُ الجُرْدُ والخُورُ الصُّهبْ

لا يُزهِدْك أخي في العلم أنْ
غمر الجُهالُ أربابَ الأدبْ

زبد البحر تراهُ رابياً
واللآلي الغرُّ في القعر رُسَبْ

وفي كتاب الشامل للسنة السادسة الابتدائية لا زلت أتذكر ذلك النص الجميل الذي يصف بشاعرية وجزالة متفردتين معارك أصحاب الحقول في مواجهة الطيور الصامدة، وأتذكر أنهم كتبوا تحته “محمد أبي بكر”، لأكتشف بعد ذلك بزمن طويل أن النص مقطع من قطعة جميلة للشاعر المُجيد أبي بكر بن محمذن بن أبي بكر الفاضلي “بَكِّنْ” علماً :

فبينا لنا والدهر ينتح غارزا
حرائثَ زرعٍ ناعمٍ نبتُها نضْرُ

نطوف بها دوما ونزعم أننا
إذا ما حصدناها فقد حصد الفقرُ

وحتى إذا كادت تعيش رعاتها
أُتيح لها طيرٌ مناقرها حُمـْـــــــرُ

فلما رأيناها تحاول أكلها
وللشر أهوال يضيق بها الصدر

أخذنا سواويطاً كأن رنينَها
رنين قسي النبع هيجها نتر

وظلْنا قياما لا قعودا كأننا
جذوعُ رواسٍ ما يزول بها دهْرُ

إذا ما هزمنا عصبةً من جيوشها
أتت عصبة من بعدها مكرها المكر

فما زال هذا دأبنا وهو دأبها
لدُن أشرقت حتى تضمنها البحرُ

ويصل شعر “بَكِّنْ” إلى منتهى السلاسة حين يقول في نفس النص مِن غير ما ورد في كتاب “الشامل” :

ولا وقعت فى الوقت من صلواتنا
صلاة فما ظهرٌ أداءاً ولا عصرُ

يظن إذاً من قد رأى ذاك أننا
زناديق كُفَّارٌ وليس بنا كُفْرُ

بلى، إن دين المصطفى هَوَ ديننا
لك الحمدُ مولانا على ذاك والشكرُ

ومن أرق وأعذب النصوص التي تلقيناها في المدرسة الابتدائية بقرية “ابير التورس” أبياتٌ جميلة مشهورة للشاعرة والكاتبة الأندلسية خنساء المغرب حمدة بنت زياد المؤدب بن تقي العوفي، وهي أبيات معدودة في ما اختاروه من شعر الوصف والطبيعة:

وَقانا لفحةَ الرمضاء وادٍ
سقاه مضاعف الغيث العميمِ

حَلَلنا دوحهُ فحنا علينا
حنوّ المرضعات على الفطيمِ

وَأرشَفنا على ظمأٍ زلالاً
ألذّ من المدامة للنديمِ

يصدّ الشمس أنَّى واجهتنا
فَيحجبها ويأذن للنسيمِ

يروعُ حَصاهُ حاليةَ العَذارى
فتلمسُ جانبَ العِقدِ النَّظيمِ

وكان من أكثر النصوص الشعرية قبولاً عند التلاميذ نص قَصَصِي في غاية الروعة، يعطي صورة عن المكانة التي كان يحتلها الاعتناء بالضيف في التراث العربي وبالأخص في البادية حيث يصف لنا النص قصة أعرابي مُعدم في خلاء من الأرض يحل به ضيف فيصل به التحدي إلى أن همَّ بذبح ابنه، قبل أن ينفرج الأمر في مشهد حسُنت به خاتمة ذلك الموقف المُحرج، وينسب رواة الشعر هذا النص إلى الشاعر الهجَّاء جُرول بْنْ أَوس اَلْعَبْسِيّ المعروف بِالْحُطَيْئَةِ :

رَأى شَبَحاً وَسْطَ الظَلامِ فَراعَهُ
فَلَمّا بَدا ضَيفاً تَشمَّرَ وَاهتَمّا

وَقالَ ابنُهُ لَمّا رَآهُ بِحَيرَةٍ
أَيا أَبَتِ اِذبَحني وَيَسِّر لَهُ طعما

وَلا تَعتَذِر بِالعُدمِ عَلَّ الَّذي أتَى
يَظُنُّ لَنا مالاً فَيوسِعُنا ذَمّا

فَرَوّى قَليلاً ثُمَّ أَجحَمَ بُرهَةً
وَإِن هُوَ لَم يَذبَح فَتاهُ فَقَد هَمّا

فَبَينا هُما عَنَّت عَلى البُعدِ عانَةٌ
قَدِ اِنتَظَمَت مِن خَلفِ مِسحَلِها نَظما

عِطاشاً تُريدُ الماءَ فَاِنسابَ نَحوَها
عَلى أَنَّهُ مِنها إِلى دَمِها أَظما

فَأَمهَلَها حَتّى تَرَوَّت عِطاشُها
فَأَرسَلَ فيها مِن كِنانَتِهِ سَهما

فَخَرَّت نَحوصٌ ذاتُ جَحشٍ سَمينَةٌ
قَدِ اِكتَنَزَت لَحماً وَقَد طُبِّقَت شَحما

فَيا بِشرَهُ إِذ جَرَّها نَحوَ قَومِهِ
وَيا بِشرَهُم لَمّا رَأَوا كَلمَها يَدمَى

فَباتَوا كِراماً قَد قَضوا حَقَّ ضَيفِهِم
فَلَم يَغرِموا غُرماً وَقَد غَنِموا غُنما

وَباتَ أَبوهُم مِن بَشاشَتِهِ أَباً
لِضَيفِهِمُ وَالأُمُّ مِن بِشرِها أُمّا

وفي الإعدادية، تعرفنا أكثر على شعراء موريتانيين من الصف الأول مثل امحمد بن الطلبه اليعقوبي والشيخ سيدي محمد “سيدنا” بن الشيخ سيديا ومحمدو بن محمدي العلوي وذلك من خلال نصوص غاية في الجزالة والجمال. ترتبط عندي السنة الثالثة من الإعدادية بمباني ثانوية نواذيبو بنص مشهور لِـــلعلامة الأديب”سيدنا بن الشيخ سيديا” دائما ما استحضره حين أسترجع في الذاكرة بعض نصوص الشعر العربي التي يمكن أن تضرباً مثلاً للقوة التعبيرية للغة القرآن ولو تحت سطوة القافية والروي – مثلُ نص “سيدنا” هذا عندي في ذلك نص الحطيئة المذكور آنفا … لقد عرَّب “سيدنا” في قصيدته المتكلم عنها الكلمةَ البربرية “تامرزكِيت” – وهي اسم بئر – ب”ميمون السُّعدى” :

لعمرُكَ ما ترتابُ ميمونةُ السُّعدى
بأنا تركنا السَّعيَ في أمرها عمدا

حبسنا عليها وهي جدبٌ سوامَنا
فما صدَّنا السَّعدان عنها ولا صَدَّا

ويظعن عنها الناس حال انتجاعِهم
ولم ننتجعْ برقاً يلوحُ ولا رعْدا

وإذ غدرتْ فانفضَّ من كان حولها
وفَينا فلم نغدر ولم نخلِف الوعدا

فجئنا لها حتى ضربنا قبابنا
على نجدها الميمون أكرم به نجدا

ومَرْجعَ سانيها ضربنا مخيما
ليَلا نصون الشيبَ عنها ولا المُردا

نَظَلُّ وقوفاً صائمينَ على الظَّما
نخالُ سَموم القَيْظِ في جَنْبها بَرْدا

وتُذرى علينا الرامساتُ غُبارها
فننشقُه من حُب إصلاحها وَرْدا

ويشرب كلُّ الناس صَفْوَ مِياهِهمْ
ونشربُ منها الطينَ نحسبهُ شَهْدا

بهذا ترى ميمونة أنّ تركنا
لها لم يكن منا اختياراً ولا زُهدا

كما ترتبط عندي بلامية الشاعر المفلق المُجيد محمدو بن محمدي التي يتشوق فيها أوطانه بمنطقة “لعڭِلْ” بولاية اترارزة والتي يستهلها بديباجته البُحترية الجميلة المعهودة … هكذا سمعت الشاعر محمد الحافظ بن أحمدو يوماً في برنامجه الإذاعي يصف أشعار ابن محمدي:

شَمِّرْ لعلَّ رَسِيمَ الأيْنُقِ الذُّلُلِ
مِنْ بعدِ عشرين يُدنى ساكنِي العُقلِ

سِرْ مُدْمِناً عبْرَ أمواج الهجير وسِرْ
تَحْتَ الدُّجى ثالثَ البيداءِ والإبلِ

واعْصِ العَذول فمشتاقُ الأحبِة مَنْ
ما إن يُميّزُ بين العذرِ والعَذَلِ

واصحبْ دليلاً من الشْوقِ المُبَرِّح إن
مال القطا عن سبيلِ القصدِ لم يَملِ

سهلٌ تجَشُّمِيَ البيداَء مُعْتَسفاً
لو كنتُ مِن وصلِ من أهوى على أملِ

إني وإن حُلتِ يا ذي عن مودّتنا
عما عهدتِ لَدَىَّ الدهرَ لم أحُلِ

سلِى فؤاديَ عني هل سلوتكمُ؟
والجفنَ بعدك هل ذقتُ المنامَ سَلِي؟

عند المرور إلى المرحلة الثانوية توسعت دائرة النصوص المدرسية لتشمل معلقات الجاهليين وعذريات المجنون وجميل وكُثَيِّر وجرير وفخريات الفرزدق وشيعيات الكُميت وحماسيات قطري بن الفجاءة وشعوبيات بَشَّار وخمريات أبي نواس ومراثي الخنساء وفصيحات البحتري ووصفيات ابن الرومي وابن المعتز …

في هذه المرحلة، توحدت في ذهني أشعار المدرسة وأشعار غيرها فاجتمع شملها في صعيد واحد، بعدما أدْركتْ أنما كان يفرق بينها – ولمدة طويلة – ما هو إلى مجرد أوهام وخيالات من وحي الصبا لا تمت للحقيقة بأية صلة.