نواكشوط –«القدس العربي»: في وقتٍ تتصاعد فيه أصوات سياسية معارضة تُحمّل صندوق النقد الدولي المسؤولية عن موجات التقشف وارتفاع الأسعار التي اندفعت فيها حكومة الرئيس الغزواني، أعلنت موريتانيا وصندوق النقد الدولي عن توصلهما إلى اتفاق جديد، ضمن وصفة جديدة قدمها الصندوق لموريتانيا، أكد الطرفان أنها تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي ومواصلة مسار الإصلاحات.
غير أن هذا الاتفاق لا يأتي في فراغ، بل في سياق داخلي مشحون بتساؤلات حادة حول كلفة هذه الشراكات على القدرة الشرائية للمواطنين، وحدود التوازن بين متطلبات الإصلاح وضغوط الواقع الاجتماعي.
وبين خطاب رسمي يراهن على الاستقرار وانتقادات سياسية تربط الاتفاق بمزيد من الأعباء، يبرز هذا التفاهم كملف مفتوح على أكثر من قراءة.
فقد عادت حكومة موريتانيا إلى طاولة التفاهم مع صندوق النقد الدولي ولاستخدام وصفاته، ليس فقط بتوقيع اتفاق جديد، بل باختبار توازن دقيق بين ضرورات الاستقرار وضغوط الواقع الاجتماعي.
فلم تعد مثل هذه الاتفاقات التي يبرمها صندوق النقد الدولي مجرد أدوات تمويل، بل تحوّلت إلى مؤشرات على اتجاه البوصلة الاقتصادية للدولة: هل تمضي نحو إصلاحات عميقة تعيد تشكيل الاقتصاد، أم تكتفي بإدارة الأزمات ضمن هامش ضيق من المناورة؟
في هذا السياق، يطرح الاتفاق الجديد نفسه كمرآة مزدوجة؛ يعكس من جهة ثقة المؤسسات الدولية في المسار الاقتصادي لموريتانيا، ومن جهة أخرى يضع هذا المسار تحت مجهر التقييم الصارم، حيث لا تقاس النوايا بل النتائج، ولا تُحتسب الوعود بل كلفة تنفيذها على المواطن والسوق معاً.
تعميق الإصلاح
وفي ختام مهمة امتدت لأيام حاسمة في نواكشوط، بدا أن العلاقة بين موريتانيا وصندوق النقد الدولي تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من تثبيت الاستقرار إلى تعميق الإصلاحات.
وتجسد هذا التحول بوضوح خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي احتضنه البنك المركزي الموريتاني بحضور محافظ البنك ووزير الشؤون الاقتصادية والتنمية، إلى جانب رئيس بعثة الصندوق.
ولم يكن اللقاء مجرد عرض تقني لنتائج مراجعة دورية، بل حمل إشارات سياسية واقتصادية تعكس مستوى الثقة الذي باتت تحظى به السياسات الاقتصادية الموريتانية، بعد التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن استكمال آخر مراجعات البرامج الجارية، وفتح الباب أمام برنامج تعاون جديد يمتد لثلاث سنوات ونصف.
وأكد محافظ البنك المركزي الموريتاني محمد الأمين الذهبي، في عرضه، أن هذا الاتفاق يمثل تتويجًا لمسار إصلاحي مكّن البلاد من تعزيز التوازنات الاقتصادية الكلية، سواء من حيث ضبط المالية العامة أو تحسين أدوات السياسة النقدية. كما أشار إلى أن نظام سعر الصرف شهد تطورًا ملحوظًا، بما يعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، في ظل بيئة دولية تتسم بعدم اليقين.
وفي قراءة رسمية للأداء الاقتصادي، شدد المحافظ على أن موريتانيا أظهرت قدرًا من الصمود أمام الاضطرابات العالمية، خصوصًا تلك المرتبطة بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، معتبرًا أن الآفاق المتوسطة للنمو تظل إيجابية، بفضل مواصلة الإصلاحات الهيكلية وتطوير القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعات الاستخراجية.
لكن هذا التفاؤل الرسمي لم يخلُ من تحذيرات مبطنة، حيث كشفت مداخلات رئيس بعثة صندوق انقد الدولي أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تطلبًا، خصوصًا فيما يتعلق بتسريع الإصلاحات المرتبطة بالحكامة، وتعزيز الشفافية، واستكمال إعادة هيكلة المؤسسات العمومية.
وأشاد رئيس البعثة بالتقدم الذي أحرزته موريتانيا، سواء على مستوى تنفيذ الإصلاحات أو إدارة السياسات الاقتصادية، معتبرًا أن البلاد تمكنت من تحقيق نتائج «في المجمل منسجمة مع التوقعات».
غير أنه شدد على أن الحفاظ على هذا المسار يتطلب مواصلة الجهود، خاصة في ظل الضغوط الخارجية المتزايدة.
وسلطت النقاشات التي رافقت المؤتمر الصحفي الضوء على أولويات البرنامج المرتقب، والتي تتمحور حول ثلاثة محاور أساسية، أولها تثبيت الاستقرار الاقتصادي الكلي، والثاني تسريع خلق فرص العمل، والثالث تقليص معدلات الفقر؛ وهي أهداف تعكس إدراكًا متزايدًا لدى السلطات بأن نجاح الإصلاحات لن يُقاس فقط بمؤشرات النمو، بل بمدى انعكاسها على الواقع الاجتماعي.
الحوكمة وردع الفساد
وفي هذا السياق، برزت قضايا الحوكمة ومكافحة الفساد كعنصر حاسم في المرحلة المقبلة، خاصة مع تأكيد الصندوق على ضرورة استكمال الإطار المؤسساتي للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وتفعيل آليات التصريح بالممتلكات، بما يعزز الثقة في مناخ الأعمال.
ورسم المؤتمر الصحفي المشترك بين حكومة موريتانيا وصندوق النقد في مجمله، صورة مزدوجة: فمن جهة، تأكيد على نجاح نسبي في إدارة التوازنات الاقتصادية خلال السنوات الماضية، ومن جهة أخرى إدراك بأن التحدي الحقيقي لا يزال قائمًا، ويتمثل في تحويل هذا الاستقرار إلى نمو شامل ومستدام.
وبين إشادة الصندوق وتحفظاته، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على ثقة الشركاء الدوليين، دون إغفال الضغوط الاجتماعية الداخلية، في مرحلة قد تكون الأكثر حساسية في مسارها الاقتصادي الحديث.
وبين تأكيدات الحكومة على أن الاتفاق يشكل رافعة لتعزيز التوازنات الاقتصادية، وتحذيرات معارضين من تداعياته الاجتماعية، يبقى الرهان معقوداً على كيفية تنزيل بنوده على أرض الواقع؛ فنجاح هذا المسار لن يُقاس فقط بمؤشرات الاستقرار المالي، بل بمدى قدرته على التخفيف من وطأة الغلاء وحماية الفئات الهشة.
وفي هذا التوازن الدقيق، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة: إما إصلاحات تُعيد الثقة وتُحسن معيشة المواطنين، أو سياسات تعمّق الجدل حول جدوى الارتباط بوصفات صندوق النقد الدولي.